الشيخ السبحاني
281
تذكرة الأعيان
وقد ألقى شيخنا الراحل محاضرة في نقد الجواب الّذي نسب إلى علماء المدينة وطبع باسم : « دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال والتقوى » . وسنقتبس من هذا المحاضرة شيئا ما أفاده قدّس سرّه في تبيين الحديث ، قال : وأمّا ألفاظ الحديث ، فلا يخفيه من اللغة والعرف أن تسوية الشيء من دون ذكر القرين المساوي معه إنّما جعل الشيء متساويا في نفسه ، فليس لتسوية القبر معنى إلّا جعل سطحه متساويا . ولو كان المراد تسوية القبر مع الأرض لكان الواجب في صحيح الكلام أن يقال إلّا سويته بالأرض فإنّ التسوية بين الشيئين المتغايرين لا بدّ فيها من أن يذكر الشيئان اللذان تراد مساواتهما . هذا هو كلام شيخنا في المحاضرة ونحن نذكر توضيحا له : إنّ الحديث يدلّ على لزوم تسطيح القبور مقابل تسنمها ولا صلة له ببناء القبور أو البناء عليه وذلك انّ لفظة « التسوية » تستعمل في معنيين : 1 . تطلق ويراد منها مساواة شيء بشيء فعندئذ تتعدى إلى المفعول الثاني بحرف التعدية كالباء قال سبحانه : إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ . « 1 » وقال سبحانه حاكيا عن حال الكافرين يوم القيامة : يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً « 2 » أي يودّون أن يكونوا ترابا أو أمواتا تحت الأرض . 2 . تطلق ويراد منها ما هو وصف لنفس الشيء لا بمقايسته إلى شيء آخر ، فعندئذ تكتفي بمفعول واحد .
--> ( 1 ) . الشعراء : 98 . ( 2 ) . النساء : 42 .